المقريزي
25
المقفى الكبير
يوم الاثنين [ . . . ] جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين ، بسبب ولده جمال الدين عبد اللّه وتجاسره بما لا يقدم عليه غيره من الانهماك في اللهو ، ومدّ يده إلى أخذ الأموال في الولايات ، وكثرة توسّعة واقتنائه الخيول المسوّمة الكثيرة ومعاشرة المماليك وأولاد الأكابر . فلمّا زاد أمره في ذلك أخرجه السلطان إلى دمشق فأقام بها مدّة ، ثمّ تشفّع أبوه بالأمراء حتّى أحضر إلى القاهرة ، فسلك على عادته وزاد . فأخرجه السلطان ثانيا إلى دمشق وهدّده ، فلم يطق الصبر على فراقه لفرط حبّه إيّاه فسأل في عوده وضمن توبته ، فأجيب إلى ذلك وطلب إلى القاهرة . فبسط يده في عمارة الدار التي اشتراها أبوه من شمس الدين [ . . . ] بن الأطروش على النيل بجزيرة الفيل ، حتى لم يكن على شاطئ النيل كحسنها ، واستدعى لها الرخام وغيره من قضاة الأعمال وأحضر الصّنّاع من دمشق ، فبلغت النفقة عليها زيادة على خمسمائة ألف درهم . فشنعت القالة بسببها وكثر تعنيف الأمراء لقاضي القضاة ، فلم يعبأ بذلك . وجدّد ابنه عبد اللّه أيضا دارا بالقاهرة أنفق فيها ثمانين ألف درهم مع ما كان فيه من جفاء وقوّة نفس . فاشتدّ النكير على الجلال ، ورفعت فيه وفي ابنه عبد اللّه وبقيّة أولاده عدّة قصص للسلطان بأنّه لا يولي أحدا [ 17 ب ] قضاء شيء من الأعمال إلّا برشوة كبيرة ، وأنّه يجتمع لولاية قضاء الناحية جماعة فيتزايدون في الولاية ، وتبلغ الخمسة آلاف والستّة آلاف ، والسلطان يغضي عن ذلك لمحبّته في الجلال وكثرة عنايته به ، إلى أن عمل فيه حسن الغزّيّ الشاعر قطعة طويلة يعرّض فيها بأولاده وبالصارم مملوكه ، منها [ الرجز ] : قاض على الأيتام سلّ صارما * بحدّه يلتقط الدراهما وشنّ من أولاده لهاذما * جرّدهم فانتهكوا المحارما والشبل في المخبر مثل الأسد * وابنه البدر خطيب جلّق بامرأة الكامل مشغوف شقيّ * بادره بالعزل فليس يرتقي منابر الإسلام إلّا متّقي * متّزر ثوب العفاف مرتدي يا ملك الإسلام يا ذا الهمّة * أزل عن الإسلام هذي الغمّة وأحلل بعبد اللّه سيف النقمة * فإنّه حجّاج هذي الأمّة واردعه ردع كلّ مفسد فلمّا بلغت السلطان بعث إليه الدوادار بأن يتوجّه لقضاء دمشق ( وقال ) : فإنّه استحيى منك ومن الأمراء والناس . وكلّما عرّفك أن ترجع ابنك عمّا هو فيه يكثر فساده . فإذا طلعت إلى دار العدل فاستعف من القضاء بحضرة الأمراء . فعند ما حضر دار العدل يوم الاثنين استعفى ، فأعفي . ورسم بسفره على البريد ، فسأل المهلة أيّاما فأجيب ونزل . وكان قد اقترض من المدرسة الأشرفيّة جملة ، ومن مال الأيتام نحو مائتي ألف وثلاثين ألف درهم . فباع أملاكه وأثاثه ، وباع من صنف الصينيّ خاصّة بمبلغ أربعين ألف درهم . وباع ابنه عبد اللّه إحدى عشرة جارية ما بين ثمانية آلاف الجارية إلى أربعة آلاف ، ومن الجوهر واللؤلؤ بما ينيف على مائة وعشرين ألف درهم ، ودارا بخطّ دكّة الحسبة من القاهرة بمبلغ خمسة وثلاثين ألف درهم ، وكان مصروفها زيادة على مائتي ألف درهم . وأوفى ما عليه من الديون ، وعوّض وقف الأشرفيّة كتبا كانت له بما في جهته للوقف .